• 27 تموز 2026
  • في إيتلية

 

موسكو — خاص بأخبار البلد — كتب المراسل الخاص

 

لا يقتصر عمل الفنان سيرجي فياتشيسلافوفيتش تشيريدوف على كونه مزيجًا من الرسم والعمارة، بل هو موقف حضاري واعٍ، يتجلى في صور قادرة على توحيد العصور والمهن والشعوب. رحلته من طالب في مدرسة بينزا للفنون إلى أستاذ ومعلم مرموق تُظهر كيف يُشكّل التدريب المهني والمسؤولية الشخصية فنانًا يعتبر الفن أداةً للحوار مع المجتمع.

من الفضاء إلى المعنى

تكمن ميزة تشيريدوف في جمعه بين التفكير المعماري والتصويري. فقد مكّنه تعليمه المعماري في أكاديمية إيليا غلازونوف الروسية للرسم والنحت والعمارة من إدراك الفضاء ليس فقط كعنصر تصميمي، بل أيضًا كبنية دلالية يمكن الكشف عنها من خلال اللون والتكوين والمنظور. ولهذا السبب، تتميز أعماله بضخامة داخلية، حتى في الأماكن الحميمة.

تتجلى هذه السمة بوضوح في مشاريعه التذكارية: نصب ل. ب. يرمين التذكاري، واللوحات التذكارية لـ ف. م. كرخانادجيف ون. ن. بايتشكين. تخلو هذه الأعمال من المبالغة العاطفية، إذ لا تحمل سوى وقار الذكرى واحترام إسهامات شخصيات محددة في تاريخ المنطقة. يعزز هذا النهج أخلاقيات التعبير الفني، حيث لا تكمن القيمة الأساسية في التباهي، بل في الصدق.

ولا تقل أهمية مهمة تشيريدوف التعليمية. ففي عمله في معهد بينزا للفنون، مسقط رأسه، لا يقتصر دوره على تعليم الطلاب تقنيات الرسم والتلوين، بل يغرس فيهم أيضاً نظرةً إلى الفن كخدمة. وهذا أمر بالغ الأهمية في عصر يُنظر فيه إلى المهنة الإبداعية غالبًا كوسيلة للتعبير عن الذات، لا كمسؤولية تجاه المتلقي والتاريخ.

«لوحة محمود درويش»: حوار بين الثقافات والعصور

تحتل لوحة مهداة إلى محمود درويش، الشاعر الفلسطيني العظيم الذي أصبحت كلماته صوت الذاكرة الوطنية، مكانةً خاصةً في أعمال تشيريدوف. في هذه اللوحة، يبني الفنان حوارًا ثقافيًا متعدد الطبقات.

يبدو وكأنه صوت صوتين عظيمين: قصيدة ليرمونتوف «غصن فلسطين» وأبيات محمود درويش. يحددان النبرة العاطفية للعمل الفني بأكمله، محولين اللوحة إلى فضاء لحوار شعري عبر القرون والقارات.

م. يو. ليرمونتوف. «غصن فلسطين»

أخبرني يا غصن فلسطين:
أين نمت، وأين أزهرت؟
على أي تلال، وأي وادٍ
كنتَ زينةً له؟
هل غمرتك مياه الأردن النقية
بأشعة الشرق،
هل هزتك رياح الليل في جبال لبنان
بغضب؟
هل قرأتَ دعاءً خاشعًا،
أو أنشدتَ أناشيد قديمة،
حين كان أبناء سليم الفقراء ينسجون أوراقك؟
وهل ما زالت تلك النخلة حية؟
هل ما زالت تلوح في حرارة الصيف
لعابر السبيل في الصحراء
برأسها العريض؟

أم في فراقٍ كئيب،
هل ذبلتَ مثلك،
وتراكم غبار الأرض بنهم
على الأوراق المصفرة؟..
أخبرني: بيدٍ تقيّة
من أحضرك إلى هذه الأرض؟
هل كان يحزن عليك كثيرًا؟
هل ما زلتَ تحمل أثر دموعٍ حارقة؟
أم يا خير محاربٍ في جيش الله،
كان جبينه صافيًا،
مثلك، دائمًا جديرًا بالسماء
أمام البشر والألوهية؟..
محفوظًا بعنايةٍ سرية،
أمام الأيقونة الذهبية
أنت تقف، غصنًا من القدس،
حارسًا أمينًا للمزار!
شفقٌ شفاف، شعاع مصباح،
التابوت والصليب، رمز القديس...
كل شيءٍ يفيض بالسلام والفرح
حولك وفوقك.

تكتسب أبيات ليرمونتوف، في سياق لوحة تشيريدوف، صدىً جديدًا: فهي لا تصبح مجرد ذكرى لأرض بعيدة، بل جسرًا يربط بين الذاكرة الروسية والفلسطينية، بين تجربة الشاعر الشخصية والتاريخ الجماعي للشعب.

محمود درويش. «فكّر بغيرك»

فكر بغيرك
وأَنتَ تُعِدُّ فطورك ’ فكِّرْ بغيركَ
لا تَنْسَ قُوتَ الحمامْ
وأَنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ
لا تَنْسَ مَنْ يطلبون السلامْ
وأَنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ
مَنْ يرضَعُون الغمامْ
وأَنتَ تعودُ إلى البيت، بيِتكَ، فكِّرْ بغيركَ
لا تنس شعب الخيامْ
وأَنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّرْ بغيركَ
ثَمَّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنام
وأَنتَ تحرِّرُ نفسك بالاستعارات، فكِّرْ بغيركَ
مَنْ فَقَدُوا حَقَّهم في الكلامْ
وأَنتَ تفكِّر بالآخرين البعيدين، فكِّر بنفسك
قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ

هذه الكلمات، الموضوعة ضمن السياق الدلالي للوحة، تُعزز رسالتها الإنسانية: فهي تتحدث عن الصمود في وجه المأساة، وعن ضرورة استشراف المستقبل، وعن قيمة التضامن الإنساني.

لنعد إلى لوحة تشيريدوف. فيها:

  • صورة الشاعر جالسًا على كرسي مزين بزخارف فلسطينية لا تُعبّر عن وضعية خارجية، بل عن التوتر الداخلي لرجل يحمل في داخله ألم شعبه وأمله.

  • النص المكتوب بخط اليد للقصيدة بلغتين (العربية والروسية) يرمز إلى إمكانية التفاهم المتبادل من خلال كلمات تتجاوز الحدود.

  • تمثال نصفي لم. يو. ليرمونتوف بجوار «غصن فلسطين» يُشكل جسرًا بين التقاليد الشعرية الروسية والفلسطينية. يجد ليرمونتوف، الذي كتب قصيدته الشهيرة، ودرويش، الذي كانت فلسطين بالنسبة له موضوعاً ومصيراً، نفسيهما في نفس المجال الدلالي — كشاعرين تحدثا عن القيم الأبدية: الوطن والذاكرة والكرامة.

• يُضفي السياق التاريخي (أول تمثال نصفي لليرمونتوف في بينزا، الذي نُصب بتبرعات عامة) عمقًا من الاستمرارية التاريخية على اللوحة، ويؤكد أن احترام التراث الثقافي هو جهد جماعي.

وبالتالي، فإن لوحة تشيريدوف ليست مجرد رسم توضيحي، بل هي تأمل في كيفية ربط الفن بين الثقافات المختلفة، وتحويل المأساة الشخصية إلى تجربة إنسانية عالمية. يُصبح شعر ليرمونتوف ودرويش هنا الإطار العاطفي للوحة: فهو يطرح أسئلة ويُقدم إجابات يجدها المشاهد في الخطوط والألوان والتفاصيل.

محمود درويش: صوت فلسطين وجسر بين الأمم

يتجاوز دور محمود درويش في الثقافة العالمية الأدب الوطني بكثير. فقد أصبح شعره لغة عالمية للمأساة الفلسطينية، يفهمها الناس من مختلف البلدان والأديان. بالنسبة لروسيا، تكتسب كلماته صدى خاصًا لأن مواضيع الذاكرة التاريخية والألم والأمل متجذرة بعمق في التراث الثقافي الروسي.

يتجلى تأثير درويش على شعوب العالم بعدة طرق:

  • كرمز للمقاومة ضد الظلم. لا تُلهم قصائده الفلسطينيين فحسب، بل تُلهم كل من يواجه الفقدان والمنفى والنضال من أجل حقه في سرد تاريخه.

  • كمثال على قوة الكلمات. أثبت درويش أن الشعر ليس مجرد فن، بل هو أيضًا فعل شجاعة مدنية، قادر على مقاومة النسيان.

  • كجسر بين الشرق والغرب. تُرجمت نصوصه إلى عشرات اللغات، وتحافظ كل ترجمة على حقيقة عاطفية تتردد أصداؤها عبر الثقافات.

في سياق العلاقات الروسية الفلسطينية، يصبح عمل درويش نقطة التقاء بين القيم الروحية: احترام التاريخ، والتعاطف مع آلام الآخرين، والسعي لتحقيق العدالة. هذه هي القيم التي تقوم عليها وحدة روحية عريقة، لا تتجلى في بيانات سياسية، بل في روابط ثقافية، ومشاريع مشتركة، ومعارض، وترجمات، وحوارات بين الفنانين والشعراء.

الفن كمساحة للوحدة: أهمية المعارض والحوار الثقافي

تُبرز مشاركة سيرغي تشيريدوف في مشاريع مثل المعرض الدولي «غصن فلسطين» أهمية المبادرات الثقافية في تعزيز التفاهم المتبادل. لا تقتصر هذه المعارض على عرض الأعمال الفنية فحسب، بل تُعدّ منصات للحوار، حيث يُمكن للمشاهدين رؤية كيف يُفسّر فنانون مختلفون المواضيع نفسها: الذاكرة، والخدمة، والمأساة، والأمل.

بالنسبة لسكان بينزا، روسيا، والزوار من دول أخرى، تُتيح هذه المشاريع فرصة للتواصل مع آلام الآخرين وتاريخهم، ليس من خلال الحقائق الجافة، بل من خلال التجربة العاطفية للفن. إنها بمثابة تذكير بأن الصداقة بين الشعوب ليست مجرد فكرة مجردة، بل روابط حقيقية تُبنى بجهود الفنانين والشعراء والمعلمين والشخصيات العامة.

الخلاصة: الفن كشكل من أشكال المسؤولية المدنية

سيرغي تشيريدوف فنانٌ يرى أن الإبداع لا ينفصل عن الخدمة. إن أعماله، سواء أكانت مشاريع تذكارية، أو معارض مخصصة للمنقذين، أو لوحة عن محمود درويش، هي محاولة لحفظ الذاكرة، والتعبير عن الامتنان، وتذكيرنا بأهمية القيم الإنسانية.

وتصبح صورة محمود درويش، المتجسدة في الفن، رمزًا للوحدة الروحية: فشعره لا يزال يخاطب العالم، مذكّرًا إيانا بأن معاناة شعب ما هي لا إلا جزء من تاريخ إنساني مشترك، وأن الفن هو اللغة القادرة على سرد هذه القصة لتُسمع.

إن الأصوات الشعرية لكل من ليرمونتوف ودرويش، المتحدين في فضاء اللوحة والمقال، تعزز هذه الرسالة: فهي تذكرنا بأن المواضيع الكبرى — كالوطن، والفقد، والأمل، والذاكرة — تُعبّر عنها ثقافات مختلفة بطرق متباينة، لكنها تتحدث عن الشيء نفسه.

وهكذا، فإن عمل سيرجي تشيريدوف والإرث الشعري لمحمود درويش هما صوتان يترددان في انسجام تام: أحدهما بالريشة والشكل، والآخر بالكلمات والإيقاع. معًا، يخلقان مساحة تلتقي فيها الثقافات والأجيال والمصائر، مما يثبت أن للفن حقًا القدرة على تعزيز الصداقة والوحدة الروحية للشعوب.