- 13 أيلول 2026
- مقابلة خاصة
ويستمر الناشط المقدسي المثقف مالك زبلح بنشر مقالاته في " أخبار البلد" الهامة والباعثة على الامل في الجيل الجديد والملهمة في الكثير من الاحيان بان القدس يمكن ان تكون بخير، وهي ستكون كذلك بلا ادنى شك
وهذه المرة تناول موضوع غاية في الاهمية ، ونتمنى على المؤسسات الثقافية ان تاخذ بعين الاعتبار
بقلم : مالك زبلح *
تُضاء أضواء القاعة، وتُرتب المقاعد، وتنتظر المنصة بدء الفعالية، لكن عدد الحاضرين يبقى أقل مما توقعه المنظمون. وحتى عندما تمتلئ بعض المقاعد، نرى أحياناً الوجوه ذاتها تتنقل بين ندوة ومعرض وعرض فني، إذ تعتمد مؤسسات ثقافية عديدة على شريحة محدودة ومتكررة من الجمهور، من دون أن توسع المشاركة لتشمل فئات وأحياء جديدة. عندها يصبح السؤال: هل تعاني الثقافة في القدس من غياب الجمهور، أم أن الجمهور موجود لكنه لا يجد طريقاً ميسوراً ومنتظماً إلى مؤسساتها؟ ينطلق المقال من فرضية أن ضعف الحضور ومحدودية تنوعه لا يعودان إلى تراجع الاهتمام وحده، بل إلى حواجز سياسية وجغرافية واقتصادية واجتماعية، وإلى فجوة بين بعض البرامج وإيقاع حياة الناس. ويعيق استمرار الاعتماد على الجمهور نفسه تحول الثقافة من فعاليات متفرقة إلى عادة راسخة في المجتمع. لذلك تتطلب معالجة المشكلة أدواراً متكاملة من المؤسسات الثقافية والمجتمع والأسرة والأفراد والمؤسسات الرسمية الفلسطينية.
جمهور موجود خارج القاعة
يكشف الإقبال على المهرجانات والعروض المفتوحة والأنشطة التي تُقام في المدارس والجامعات والمقاهي والساحات والأحياء أن المقدسيين لا يفتقرون إلى الاهتمام بالثقافة. فهم يشاركون حين تقترب الفعالية من حياتهم، وتتناول قضاياهم، وتصل إلى الأماكن التي يستخدمونها يومياً. وينسجم ذلك مع مفهوم «الحق في المدينة»، الذي لا يقتصر على السكن والحركة، بل يشمل حق السكان في استخدام فضاء مدينتهم والمشاركة في تشكيل حياتها العامة والثقافية.[1] لذلك ينبغي التمييز بين جمهور غير مهتم وآخر مهتم لا يستطيع الوصول. فغياب الفرد عن قاعة مغلقة لا يعني رفضه للفن أو المعرفة، وقد ينتج من بُعد المكان أو كلفة التنقل أو توقيت النشاط أو الشعور بعدم الأمان. ويكشف الحضور خارج القاعات أن المشكلة تكمن أحياناً في شروط المشاركة، وفي قدرة المؤسسة على بناء علاقة مستمرة مع فئات لم تدخل قاعاتها بعد.
مدينة قريبة في الخريطة بعيدة في الواقع
تتحول المسافات القصيرة داخل القدس إلى رحلات طويلة حين تعترضها الحواجز والجدار ونقاط التفتيش والازدحام وتقطُّع الأحياء. وقد تبدو المؤسسة الثقافية قريبة على الخريطة، لكنها تصبح بعيدة عن سكان يحتاجون إلى أكثر من وسيلة نقل أو إلى طريق غير مباشر للوصول إليها. ويزداد هذا البعد مع فصل القدس عن محيطها الفلسطيني، إذ يواجه سكان الضفة الغربية قيود التصاريح والحواجز، بينما يعاني المقدسيون في الأحياء الواقعة خلف الجدار أو عند أطراف المدينة من صعوبة الانتقال إلى مركزها. ولا تتوزع في هذا الواقع فرص المشاركة الثقافية بالتساوي، بل يجعل مكان السكن عاملاً يحدد من يستطيع الوصول ومن يبقى خارج القاعة. ويرتبط ذلك بمفهوم «العدالة المكانية» الذي ينظر إلى عدالة توزيع الخدمات والفرص بين السكان والأحياء.[2] وتزداد الصعوبة مساءً مع محدودية المواصلات والخشية من التأخير أو إغلاق الطرق وصعوبة العودة. لذلك لا يقوم قرار حضور معرض أو مسرحية أو ندوة على الرغبة وحدها، بل يحتاج إلى حساب الوقت والكلفة والطريق والأمان، وقد ينتهي بالتراجع قبل أن تبدأ الرحلة.
كلفة الثقافة في حياة مثقلة
تضيف الظروف الاقتصادية والاجتماعية مسافة أخرى إلى الطريق، فالحضور لا يتوقف على ثمن التذكرة، بل يشمل أجرة المواصلات والطعام والوقت وترتيب رعاية الأطفال والقدرة على العودة. وفي مدينة ترتفع فيها كلفة المعيشة ويعيش كثير من أهلها تحت ضغط العمل والضرائب والديون وعدم الاستقرار، قد تتحول الفعالية الثقافية إلى أمر مؤجل، حتى عندما يكون الدخول مجانياً. فمجانية النشاط لا تعني أن الوصول إليه بلا كلفة، لأن الأسرة قد تحتاج إلى أكثر من وسيلة نقل، وقد يضطر أحد أفرادها إلى مرافقة الأطفال أو كبار السن، فيما يتردد آخرون في التنقل مساءً. وهنا يظهر الفرق بين وجود الحق نظرياً والقدرة الفعلية على ممارسته، إذ لا تكتمل إتاحة الفرصة إلا حين يمتلك الفرد الوسائل التي تمكّنه من الاستفادة منها.[3] وبذلك تبقى الثقافة متاحة في الإعلان أكثر مما هي متاحة في الحياة اليومية.
هل تتحمل المؤسسة جزءاً من المسؤولية؟
تتحمل المؤسسات الثقافية جزءاً من مسؤولية اتساع المسافة بينها وبين الجمهور، رغم أهمية ما تقدمه وصعوبة الظروف التي تعمل فيها. فقد تتعامل بعض المؤسسات مع الناس بوصفهم متلقين ينتظرون الإعلان ثم يأتون تلقائياً، من دون دراسة ما يمنعهم من الحضور أو ما يدفعهم إليه. وتتكرر الفعاليات أحياناً في المناطق والمراكز نفسها، وتُختار مواعيد لا تناسب العاملين والطلبة والعائلات، بينما يأتي الإعلان متأخراً أو يبقى محصوراً في دائرة ثقافية ضيقة. وقد تستخدم بعض البرامج لغة نخبوية، أو تتزاحم أنشطة عدة في اليوم نفسه بسبب ضعف التنسيق. كما تنتهي العلاقة مع الناس بانتهاء فعالية أو موسم قصير، بدل أن تتحول إلى تواصل منتظم. ويقوم مفهوم «تنمية الجمهور» على معرفة الناس وفهم احتياجاتهم وإشراكهم وبناء علاقة طويلة معهم، لا الاكتفاء بزيادة عدد الحاضرين.[4] لذلك لا يكفي أن تفتح المؤسسة أبوابها إذا بقي برنامجها بعيداً عن إيقاع المدينة، ولم تسأل الغائبين عن أسباب غيابهم.
جمهور واحد أم جماهير متعددة؟
يخفي استخدام كلمة «الجمهور» بصيغة المفرد تنوع الناس الذين يفترض أن تخاطبهم المؤسسات الثقافية. فجمهور القدس ليس كتلة واحدة، بل أطفال وشباب ونساء وعائلات وطلبة وكبار سن، ولكل فئة اهتماماتها وظروفها وقدرتها المختلفة على الحركة والمشاركة. كما يتغير الوصول من حي إلى آخر، ومن داخل الجدار إلى خارجه، ومن مركز المدينة إلى أطرافها. لذلك قد تنجح فعالية مع فئة ولا تصل إلى أخرى، لا بسبب تفاوت الوعي الثقافي، بل لأن تصميم الفعالية وموعدها ومكانها لا يراعي هذا التنوع. وتقوم فكرة «الديمقراطية الثقافية» على الاعتراف بتعدد الأذواق وأشكال التعبير، وحق الفئات المختلفة في المشاركة وصنع الحياة الثقافية بدل حصرها في نموذج واحد أو نخبة محددة.[5] ولهذا قد يكون قياس النجاح بعدد المقاعد الممتلئة مضللاً. فالأهم معرفة من حضر، ومن غاب، ولماذا، وهل تتسع المشاركة أم تتكرر فيها الوجوه نفسها.
من انتظار الجمهور إلى الوصول إليه
يتطلب توسيع المشاركة انتقال المؤسسات من انتظار الجمهور إلى بناء طرق حقيقية تصل بها إليه. ويبدأ ذلك بتوزيع الأنشطة على الأحياء، وتنظيم فعاليات متنقلة في المدارس والمكتبات والمقاهي والساحات، وتثبيت مواعيد دورية يعرفها الناس مسبقاً. كما يحتاج إلى تنسيق يمنع تزاحم الفعاليات، وإعلان مبكر بلغة واضحة، ومراعاة الكلفة والمواصلات وموعد العودة واحتياجات العائلات. ويمكن للمؤسسات الرسمية الفلسطينية، ضمن إمكاناتها وحدود عملها في القدس، دعم هذا التحول من خلال سياسة ثقافية مشتركة، وتمويل البرامج المستمرة، والمساهمة في تسهيل الوصول، وبناء قاعدة معلومات عن الجمهور واحتياجاته. ويؤدي المجتمع المحلي دوره عبر لجان الأحياء والمدارس والجامعات والمبادرات الشبابية، فيما تستطيع الأسرة جعل الزيارة الثقافية جزءاً من برنامجها المعتاد. ويمكن للفرد أن يسهم بالبحث عن الأنشطة ودعمها وتشجيع الآخرين على المشاركة. لكن نجاح هذه الأدوار يبدأ بسؤال الناس مباشرة عما يمنعهم من الحضور وإشراكهم في تصميم البرامج. فالمشاركة في الحياة الثقافية حق أساسي، وليست امتيازاً لمن يملك الوقت والمال وسهولة الحركة.[6] لذلك يصبح الوصول سياسة ثقافية متكاملة، لا حملة ترويجية مؤقتة.
الطريق جزء من الفعالية
تعود بنا المقاعد الفارغة إلى السؤال الأول، لكنها لا تمنحنا إجابة واحدة. فالمقعد لا يخبرنا إن كان صاحبه غير مهتم، أو عالقاً خلف حاجز، أو عاجزاً عن دفع كلفة الطريق، أو لم يسمع بالفعالية أصلاً. لذلك لا يُقاس نجاح العمل الثقافي بما يحدث داخل المؤسسة فقط، بل بقدرتها على فتح الطريق بينها وبين الناس والوصول إلى فئات جديدة. فالثقافة التي تبقى داخل القاعة تظل ناقصة، والجمهور الذي تمنعه الظروف من الوصول لا يجوز وصفه بالغائب. وربما تبدأ المعالجة حين يصبح الطريق إلى الثقافة جزءاً من الفعالية نفسها.
* كاتب وباحث وفنان بصري مقدسي، مهتم بالشأن التربوي والثقافي في القدس.

