• 13 أيلول 2026
  • من اسطنبول

اسطنبول – أخبار البلد – كتب أحمد هيمت

تستمر "أخبار البلد"  في نشر فصول كتاب الصديق الصحفي  والكاتب "جودت مناع "  حول اسطنبول والذي يحمل عنوان " ظلال على البوسفور"  وذلك بعد أن تم التوصل إلى اتفاق مع الصحفي والكاتب الفلسطيني جودت مناع، مع شبكة "أخبار البلد" المقدسية لنشر فصول من كتابه الذي استلهمه من  أجواء المدينة التي تُعد من أجمل مدن العالم وأكثرها سحراً، تلك المدينة التي تأسر قلوب زائريها منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها أقدامهم أرضها.

وسيكون لقرائنا الأعزاء موعد أسبوعي متجدد مع هذه الفصول، التي تأخذهم في رحلة أدبية وإنسانية عبر شوارع إسطنبول وأحيائها وحكاياتها. 

الحكاية الثالثة

بقلم : جودت مناع

جلستُ في مقهى POUS  في أحد الشوارع الفرعية في بشكتاش، أراقب المكان من خلف منضدة صغيرة على رصيف ضيق. كان جزء من الرصيف قد اقتُطع أمام مداخل المقاهي، ليترك ممراً ضيقاً للمارّة، حتى بدا الشارع وكأنه يتدبر أمره بين حاجات الناس اليومية: مقهى يريد مساحة لزبائنه، ومارّ يبحث عن طريقه، ومدينة لا تتوقف عن الحركة.

كانت المقاهي والمطاعم تتراصّ على جانبي الشارع كتفاً إلى كتف، كأنها بيوت متجاورة في مدينة لا تنام. امتلأت الطاولات بالرواد، واختلطت اللغات بالضحكات، ورائحة القهوة بالدخان، وضجيج الأحاديث بقرقعة الأكواب وصفير آلات القهوة، حتى بدا المكان كائناً حياً يتنفس على مهل.

كنت أنتظر كأس الشاي، وأترك عيني تتنقلان بين التفاصيل الصغيرة التي غالباً ما لا ننتبه إليها ونحن نعبر الشوارع مسرعين.

في نهاية الشارع، عند التقاطع البعيد، كان الناس يتوزعون في أربعة اتجاهات، مثل جداول صغيرة تنبثق من نهر واحد، ثم يمضي كل واحد منها نحو مصيره الذي لا أعرفه.

من مقهى عند المدخل الجنوبي للشارع، انساب لحن أغنية قديمة. تجاوز اللحن ضجيج الأحاديث وقرقعة الأكواب وصفير آلات القهوة، ووصلني صافياً على نحو غريب، كأن الأغنية تعرف طريقها جيداً بين الأمواج المتشابكة للأصوات، وكأنها اختارت، من بين كل الجالسين، أن تصل إلى ذلك الرجل الذي كان يراقب الشارع وحيداً.

وبينما كنت أتابع اللحن، ظهر أربعة شبان يعبرون الشارع مسرعين، يجرّون خلفهم حقائب سفر. تركت عجلات الحقائب إيقاعاً معدنياً قصيراً فوق الحجارة الصغيرة التي رُصف بها الشارع، ثم ابتلعته حركة المكان.

بعد لحظات، مرت دراجات نارية بلا انقطاع. تظهر من زاوية وتختفي في أخرى، كأنها شريان إضافي يمد المدينة بالحركة والضجيج والحياة.

أخذت أتأمل الحجارة المرصوفة تحت أقدام المارة.

لم تكن بالنسبة إليّ مجرد حجارة.

في بشكتاش، للحجر حكاية أخرى، أقدم من الشارع الذي كنت أجلس إلى جانبه. تذكرت أن اسم المكان نفسه يرتبط، في إحدى الروايات، بـ«حجر المهد»: Beşik"  "تعني المهد، و"taş " تعني الحجر. وتُروى حكاية عن حجر على هيئة مهد ارتبط بالمسيح، وقيل إنه جاء من بيت لحم ووُضع في كنيسة بيزنطية كانت قائمة في هذه المنطقة، وعُرفت باسم Kounopetra، أي "حجر المهد". وتوجد روايات أخرى حول أصل تسمية بشكتاش، لذلك بقيت الحكاية في حدود الرواية التي تناقلها أهل المكان، لا في حدود الحقيقة التاريخية المحسومة.

لكن بالنسبة إليّ، لم تكن المسألة مجرد حكاية عن اسم مدينة.

أنا ابن بيت لحم. وُلدت في الدهيشة أحد مخيماتها وترعرعت بين حجارتها وأزقتها وكنائسها، ولذلك كان لاسم "حجر المهد" وقع مختلف في داخلي. حين سمعت هذه الحكاية، شعرت أن بيت لحم التي حملتها معي طوال حياتي ظهرت فجأة أمامي في بشكتاش، على ضفة البوسفور.

حجرٌ، بحسب الرواية، غادر بيت لحم، المدينة التي ولدت فيها، ليصل إلى مدينة بعيدة، ثم يصبح جزءاً من اسمها وذاكرتها.

توقفت عند هذه المصادفة طويلاً.

قلت في داخلي: كم من الأشياء تعبر المدن والقرون من دون أن نعرف قصتها؟ وكم من ذاكرة يمكن أن تختبئ في حجر، ثم تظهر فجأة أمام إنسان جاء من المكان الذي بدأت منه الحكاية؟

ربما لهذا السبب بدت لي حجارة الشارع مختلفة في تلك اللحظة. لم أعد أراها مجرد حجارة ترصف الطريق، بل أشياء يمكن أن تحمل أثراً من المكان والزمن والإنسان.

ومن حجر بشكتاش، أخذتني الذاكرة إلى باريس.

تذكرت حجارة شوارع الحي اللاتيني في أيار/مايو 1968، حين اقتلع الطلاب حجارة الرصف واستخدموها في إقامة المتاريس خلال مواجهاتهم مع الشرطة. لكن الحجارة لم تكن هي التي صنعت الثورة؛ كانت فقط ما وجدته الأيدي أمامها عندما تحولت الاحتجاجات إلى مواجهة في الشوارع. خلفها كان غضب طلابي متراكم من نظام جامعي تقليدي، ومن مشكلات التعليم والاختناق داخل المؤسسات، ثم اتسعت المطالب لتصبح احتجاجاً أوسع على السلطة والقيم الاجتماعية والسياسية السائدة، وعلى عالم أراد جيل جديد أن يراه أكثر حرية وعدالة.

وكانت أفكار الحرية والعقل ونقد السلطة التي عرفها الفكر الأوروبي منذ فولتير ومونتسكيو جزءاً من الخلفية الثقافية الطويلة التي جعلت السؤال عن السلطة والحرية والعدالة حاضراً في الوعي الأوروبي. لم يكن طلاب باريس في عام 1968 يرددون أفكار أولئك الفلاسفة حرفياً، لكنهم كانوا أبناء تاريخ فكري طويل جعل التمرد على السلطة والسؤال عن معنى الحرية جزءاً من الثقافة السياسية الأوروبية.

في تلك الأيام، تحولت حجارة الشارع إلى متاريس.

أما هنا، في بشكتاش، فقد كانت الحجارة تحت أقدام المارة هادئة، صامتة، لا تقول شيئاً.

حجرٌ ارتبط، في رواية، بالمهد وبيت لحم.

وحجرٌ اقتُلع من شارع باريس ليصبح أداة احتجاج.

وبين الحجرين كانت تمتد قرون من التاريخ، وحيوات بشرية كاملة، وأفكار وثورات وذكريات.

فكرت أن الحجر لا يتكلم.

لكن البشر هم الذين يمنحونه ذاكرة. 

شيء ما في شكلها أعادني، فجأة، إلى باريس أواخر ستينيات القرن الماضي. تذكرت الطلاب الذين اقتلعوا حجارة الشوارع في أيار/مايو 1968، وحولوها إلى متاريس في مواجهة الشرطة الفرنسية.

كنت يومها أراقب تلك الأحداث من موقع الصحفي الذي يتابع تحولات العالم، لكن الذاكرة لا تستدعي التاريخ كما ترد الأخبار في الصحف. إنها تربط بين الأشياء على طريقتها الخاصة، وتضع أمامك زمناً بعيداً إلى جوار زمن آخر، حتى يصبح الشارع الذي تجلس فيه الآن جزءاً من شارع قديم لم تعد تعرف إن كنت تراه بعينيك أم تستعيده من ذاكرتك.

كان ذلك في زمن كانت فيه أجيال كاملة تخرج إلى الشوارع احتجاجاً على التفاوت الاجتماعي والاستبداد والجوع والحرمان، وترفع شعارات الحرية والعدالة، مستلهمة أفكاراً أوروبية قديمة عن العقل والحرية، حملها فلاسفة مثل فولتير ومونتسكيو إلى الوعي الأوروبي.

وكنت، وأنا أتأمل حجارة بشكتاش، أتذكر أن التاريخ لا يبقى في الكتب وحدها.

أحياناً يختبئ في حجر.

تحت أقدام المارة. وفي شوارع مخيم الدهيشة وبيت لحم ومدن فلسطينية أخرى تظاهر الوطنيون فيها وأغلقوا شوارعها وأزقتها بالحجارة كي يعيقوا تقدم آليات جيش المستعمرة الإسرائيلية.

في شارع لا يعرفون شيئاً عن الحكاية التي استدعتها تلك الحجارة في ذاكرة رجل جلس يحتسي الشاي في إسطنبول.

رفعت عيني عن الأرض.عادت بشكتاش إلى المشهد من جديد.

فتيات بملابس صيفية خفيفة، وأخريات بأزياء أكثر احتشاماً، يمشين بلا عجلة. عابرات سبيل يتبادلن الضحكات، ورجال يحملون أكياس التسوق، وسياح يتوقفون لالتقاط الصور لكل زاوية يرونها للمرة الأولى.

وعلى عتبة أحد المحال جلس متسول يراقب الوجوه العابرة بعينين أثقلهما الانتظار. لم يكن يتحرك كثيراً. كان يكتفي بالنظر، كأنه لا يحصي المارة بقدر ما يحصي الزمن.

تأملت الوجوه أكثر.

كان الشارع أشبه بخريطة صغيرة للعالم. وجوه متعددة، ولهجات مختلفة، وملامح جاءت من جهات بعيدة، ثم التقت هنا لبرهة قصيرة قبل أن تتفرق من جديد.

الغريب أن الجميع، رغم اختلاف اللغات، كانوا يتقاسمون شيئاً واحداً. الحركة.

كل شخص يحمل وجهته الخاصة، ووقته الخاص، وحكايته التي لا يعرفها الآخرون.

من يبحث عن مقعد فارغ، ومن يبحث عن ظل، ومن ينتظر صديقاً، ومن يعبر الشارع إلى موعد، ومن يجر خلفه حقيبة سفر، ومن يجلس وحيداً مثلي ويراقب كل ذلك من بعيد.

وفي نهاية الشارع كان التقاطع يفتح أربعة طرق.

أربعة اتجاهات، وأربعة احتمالات، وعدد لا يحصى من الحكايات.

فكرت أن المدن الكبيرة لا تجمع الناس لأنها تعرف قصصهم، بل لأنها تتيح لهم أن يمروا بعضهم بجوار بعض، وأن يتقاطعوا للحظة، ثم يمضي كل واحد في طريقه.

ربما لهذا أحببت هذا الشارع.

لم يكن جميلاً فقط لأنه مليء بالمقاهي والمطاعم والناس.

كان جميلاً لأنه يحمل شيئاً من الذاكرة.

حجارة تحت الأقدام، وأصوات فوقها، ووجوه عابرة، وأغنية قديمة، وحقيبة سفر، ودراجة نارية، ومتسول ينتظر، ورجل يجلس إلى طاولة صغيرة ويستعيد، من مكان بعيد، مدينة أخرى وزمناً آخر.

وفي تلك اللحظة أدركت أنني لم أكن أجلس في مقهى بشكتاش لأشاهد الشارع فقط.

كنت أرى الشارع، وأرى معه ما تركته المدن الأخرى في داخلي.

وكانت تلك الحجارة الصغيرة، التي يعبر فوقها الناس من دون أن يلتفتوا إليها، قد فتحت في ذاكرتي باباً لم أكن أعرف أنه لا يزال مفتوحاً.