- 13 أيلول 2026
- مقابلة خاصة
من دفتري العتيق
بقلم : أ.د. زيدان عبد الكافي كفافي *
نشرت في جريدة الأردن الغرّاء في عددها رقم 517 الصادر يوم الثلاثاء الموافق 30/5/2006 مقالة عنوانها "مخطوطات قمران تبشر بالقرآن"، وجاءت مراجعة وتلخيصاً لما نشر في الجزء الأول من كتاب عنوانه: "ما بين العهدين. مخطوطات قمران-البحر الميت، ج1-3. تحقيق أندريه دوبون- سومر ومارك فيلوننكو، ترجمة وتقديم موسى ديب خوري. دمشق: دار الطليعة الجديدة. 1998". ونظراً للإهتمام المتزايد بين القرّاء للحصول على معلومات أكثر وبطلب من أصحاب الشأن، ورئيس تحرير الجريدة، نقدم أدناه معلومات ملخصة من الجزء الثاني من نفس الكتاب تتركز حول ما ورد في ما يعرف باسم "التوراة المنحول"، وخاصة كتاب أخنوخ. ومن المعلوم أن هذه المخطوطات التي اكتشفت في الكهوف الواقعة إلى الغرب من البحر الميت، وشرقي مدينة بيت لحم، في حوزة اسرائيل، التي استولت عليها بعد سقوط القدس في عام 1967، فاولتها اهتماماً عظيماً وأقامت لها متحفاً خاصاً.
ويقف الزمان ويخرج محمد ذيب ومحمد حمّاد (مكتشفا الكهوف) من داخل الظلام متأبطين مخطوطا/ عددًا من المخطوطات وينظران حولهما ليريا الشمس وقد اطلت عليهما بشعاعها مخاطبة لهما: ماذا تحملان من داخل كهوف قمران؟ وجاءت الإجابة: نحمل بين أيدينا معلومات كتبها أجداد لنا، نسلمها لأصحاب العلم ليفسروا ما بها. ومرت السنون طويلة ولا نعلم فيما إذا كان محمد ومحمد قد عرفا أنهم حملا الزمان والبرهان الذي يبشر بالمصطفى.
إنها مجموعة من الكتب أهمها كتاب أخنوخ الأول الذي يشكل جزءًا من التوراة المنحولة. ولكن ما يميز التوراة المنحولة عن غيرها؟ يقول صاحب الكتاب الذي بين أيدينا: إنها تتميز بأنها كتبت بأسم مستعار وتنسب إلى مؤلفين غير موجودين أصلاً. فليس أخنوخ أو إدريس هو مؤلف كتاب أخنوخ الذي سنقدمة للقراء في هذه الحلقة.
ويرى موسى ذيب الخوري، بأن الأسفار المنحولة قد ظهرت في نهاية العصر الهيلليني وازدادت ظهوراً في العصر الروماني وتزامن انتشارها مع اختفاء الفكر التنبؤي، ومع انتظار الآخرة. إذ أن الناس في ذلك الوقت، قد آمنت بخلاص من الصراعات السياسية والثقافية ورأوا أنه لا بد آت من عالم السماء، او مع نهاية الزمان. وعلى هذا الأساس تكونت مجموعات في السر، نادت بضرورة الإستعداد لهذا اليوم الأخير والعودة إلى الدين. ولهذا، وجدت هذه المجموعات السرية في مواضيع الكتابات المنحولة وسيلة فعالة لتنشيط الفكر والعقيدة الدينية المهزوزة، والمناداة بإعادة الثقة الإنسانية في المعاني الدينية، والتي تعطيه الأمل بحياة خالدة غير الدنيوية.
يظهر أنه وبعد العودة من السبي البابلي تأثرت الكتابات اليهودية بأسباب عدة منها الإعتماد على النقل من ثقافات وآداب أخرى، كما أنها بقيت لفترة طويلة بلا أسماء مؤلفين. وعلى هذا الأساس، اعتبرت بعض الجماعات الدينية التي أعتمدت على السرية، أنها الوريثة لهذا الإرث من القصص والأساطير، والتي كانت في نظرهم ترجع إلى زمن الأنبياء أنفسهم، والذين تتحدث عنهم هذه الحكايات. ونظراً للقيمة العالية لهذه الأساطير، اعتبرتها هذه الجماعات سرية، وكانت حريصة على نقلها بأمانة واثرائها بما يناسب رؤية الكاتب.
ويقوم وضع هذه المؤلفات على اسطورة تقول بأن أخنوخ اوصى ابناؤه بتوزيع كتبه على اولادهم من جيل لآخر. ومعروف أن مثل هذه الأساطير كانت متداولة في أدب وادي الرافدين ووادي النيل. ومما لا شك فيه أن الأسينين لعبوا دوراً رئيساً في تجميع وصياغة أو نقل هذه الكتب أو الأساطير. ولولا الجهد الذي قامت به مجموعة من اليهود الأسينين أو المجموعات المتـأثرة بهم في ترجمة هذه النصوص من اصولها السامية إلى اليونانية لضاعت هذه المؤلفات هباءً. وحيث أن اليهودية الحاخامية لم تقبل بهذه الكتابات، فاطلقوا عليها إسم المنحولة، كذلك قامت بعض الكنائس بترجمة هذه المنحولات إلى لغات بلادها فأنقذت بذلك أدباً وجد علماء الآثار بقاياه في كهوف قمران.
وحيث أن مؤلفي هذه الكتابات يجب أن يكونوا من الشخصيات الشهيرة التي يوافق عليها الموروث الشرعي، جاء كتاب"أخنوخ" وهنا يطرح السؤال من هو هذا الشخص؟
ويأتي الجواب في الإصحاح الخامس من سفر التكوين الذي يذكر مواليد آدم حيث تنص الآيات 18-24 مما يلي:
"18 وعاش يارد مئة واثنتين وستين سنة وولد أخنوخ. 19 وعاش يارد بعدما ولد أخنوخ ثماني مئة سنة ولد فيها بنين وبنات. 20 فكانت كل أيام يارد تسع مئة واثنتين وستين سنة ومات. 21 وعاش أخنوخ خمساً وستين سنة وولد متوشالح. 22 وسلك أخنوخ مع الله بعدما ولد متوشالح ثلاث مئة سنة ولد فيها بنين وبنات. 23 فكانت كل أيام أخنوخ ثلاث مئة وخمساً وستين سنة. 24 وسلك أخنوخ مع الله، ثم توارى لأن الله أخذه اليه".
من هنا نرى أن أخنوخ هو ابن يارد ابن مهلئيل ابن قينان ابن أنوش ابن شيث ابن آدم، وكان أخنوخ أول البشر الذين يتعلمون الكتابة والحكمة، وكتابة رموز السماء في كتاب تبعاً لنظام الشهور، بحيث يعرف البشر الفصول بترتيبها شهرا بعد شهر.
ويبدو من هذا التسلسل في النسب أن ترتيب أخنوخ بين نسل آدم ونسله في مرحلة ما قبل الطوفان هو السابع، ونعلم أن لهذا الرقم مدلولات عند عدد من أصحاب الديانات. كذلك وكما تشير الآية رقم 24 فإن أخنوخ يعدّ مثالاً للكائن المتفوق والذي يستمد معرفته من الله أو السماء. وهذه الصورة تكررت في حضارات الشرق الأدنى القديم. وبناء عليه فليس من المستغرب أن يكون أخنوخ بطلاً لسفر كامل تتمثل فيه حياته كرحلة مستمرة من الكشف والمعرفة الآلهية. إذ أنه كان كاملاً وسار برفقة الله ثلاثمائة سنة تعلم فيها الأسرار ومعجزة المعرفة على مدى الدهور. ولكنه لم يعد بعدها لأن الله أحذه إليه.
ويذكر موسى ديب الخوري في الجزء الثاني من مخطوطات قمران- البحرالميت، التوراة المنحولة أن المصدرين الأساسيين للأدب الأخنوخي وصلا عن طريق نسختين أساسيتين هما: كتاب أخنوخ الأثيوبي وكتاب أخنوخ السلافي. ويشمل الكتاب الأول خمسة أجزاء يضم أولها فاتحة وسقوط الملائكة ورحلة أخنوخ الرؤيوية، والثاني حكم أخنوخ، والثالث بحث في الفلك، والرابع أحلام أخنوخ الرؤيوية والخامس والأخير الخطب الأخلاقية. وعثر في كهوف قمران على أجزاء من أجزاءه الأول والثالث والرابع مكتوب باللغة الآرامية.
ويضيف الخوري أن هذه الأجزاء الخمسة كانت متعددة العناصر، وكان الهدف من جمعها وتدوينها هو تزويد المؤمنين التابعين لمدرسة أخنوخ الدينية سلسلة من كشوفاته، لأنه رفع إلى السماء حيث كشف له عن معرفة الأسرار الكونية والآخروية. ويضم الجزء الأول قسمين هما سقوط الملائكة ورحلات أخنوخ الرؤيوية، إذ يتحدث القسم الأول عن الملائكة الذين أغوتهم النساء ونتج عن هذا الإغواء أن ولد العمالقة الذين راحوا يبتلعون البشر. فسمع الله شكوى الأرض فأعلن لنوح عقاب الملائكة وبقاء الصالحين، لكن أخنوخ هو الذي أبلغ الضالين بعقابهم. وهذا الأمر يذكرنا بما ورد في سفر التكوين 1:6-4، إذ تنص على ما يلي:
" ولما بدأ الناس يكثرون على وجه الأرض وولد لهم بنات، 2 رأى بنوالله أن بنات الناس حسان، فتزوجوا منهن كل من إختاروا.3 فقال الرب:" لا تدوم روحي في الإنسان إلى الأبد، فهو بشر وتكون أيامه مئة وعشرين سنة" 4 وكان على الأرض في تلك الأيام رجال أشداء، وبعدها أيضاَ حين عاشر بنوالله بنات وولدن لهم أولاداً، وهم الجبابرة الذين ذاع صيتهم من قديم الزمان". ومن هنا نرى أن إسطورة أخنوخ هي صدى لما سبقها.
ويظهر القسم الثاني من الجزء الأول والذي يتحدث عن رحلات أخنوخ الرؤيوية، المعرفة الكونية التي توصل اليها هذا الشخص. ويعدّ الجزء الثاني الذي يتحدث عن "الحِكَم أهم أجزاء الكتاب، وربما يكون مؤلفه غير مؤلف أو مؤلفي الأجزاء الأخرى من كتاب أخنوخ هذا. إذ أن المسيح يلعب دوراً كبيراً فيه، في حين أنه غائب عن الأجزاء الأخرى. وكذلك ترد فيه عبارات وكلمات مثل" رب الأرواح" و" إله العالم"، كما نجد فيه لقب المصطفى قد زيد بلقب "إبن الإنسان" العارف والعادل. إن إبن الإنسان هو القاضي في الآخرة، كما أنه موجود قبل الوجود وهو معطى روح الحكمة والقدرة. والمقصود بابن الإنسان هو شخصنة لمجموعة المؤمنين السرانيين الذين يشعرون بالإضطهاد. وهنا يظهر الأصل الأسيني " للحِكَم"، إذ أنهم تعرضوا لإضطهاد عنيف من خصومهم الفريسيين والصدوقيين.
ويحوي الجزء الثالث" البحث الفلكي" كشفاً لقوانين النجوم، يقدمه أحد الملائكة لأخنوخ، ويبرر لماذا يتكون التقويم الشمسي من ثلاثمائة وأربعة وستين يوماً، وتقسم فيه أيام السنة إلى أربعة فصول. وهو بهذا ينظم حياة الجماعة الأسينية زمنياً. ويرجع المخطوط الآرامي الأقدم لهذا البحث الفلكي إلى منتصف القرن الثاني قبل الميلاد.
ويقدم الجزء الرابع حلمين لأخنوخ لا رابط بينهما، الأول رؤيا للطوفان والثاني رؤيا للحيوانات. ويمثل الحلم الأول نموذجاً لكارثة، وأما الثاني فيصور تاريخ العالم من خلال الرمزيه بالحيوانات. ويعتقد المترجم موسى خوري أن تاريخ هذا المخطوط ربما يكون في حوالي عام 164 قبل الميلاد.
ويضم الجزء الخامس عدداً من الموضوعات غير المتجانسة، لكن الفكرة الرئيسية التي يشملها هي التحضير الضروري ليوم الحساب الأخير.
ويستشهد العهد الجديد بكتاب أخنوخ، إذ ورد في سفر يهوذا؛ رسالة القديس يهوذا؛ التي تحذر من المعلمين الكذبة الذين يدعون الإيمان مايلي:
"14 وأنبأ عنهم أخنوخ سابع الآباء من آدم حين قال:"انظروا! جاء الرب مع الوف قديسيه 15 ليحاسب جميع البشر ويدين الأشرار جميعاً على كل شر فعلوه وكل كلمة سوء قالها عليه هؤلاء الخاطئون الفجار. 16 هم يتذمرون ويشتكون ويتبعون أهواءهم ويتفوهون بالكلمات الجوفاء ويتملقون الناس طلباً للمنفعة".
وإن دل هذا الكلام على شيء، فإنما يدل على أن بعض أتباع الكنيسة الأولى كانت تميز هذا الكتاب عن سواه. وإضافة لهذا فلقد أخذ يسوع لقب إبن الإنسان وأطلقه على نفسه كما جاء في الأناجيل. ومن هنا يعدّ كتاب أخنوخ أهم المقدمات سرية لمسيحية العهد الجديد.
وتشمل "التوراة المنحول" إضافة لكتاب أخنوخ، كتب أخرى هي: الخمسينيات ووصايا الشيوخ الأثني عشر، وتصنف هذه جميعها كأحد أهم النصوص الخاصة بالملّة الأسينية؛ ويضاف اليها كتب مزامير سليمان، ووصية موسى، واستشهاد إشعيا. وترتبط هذه الكتب جميعها ارتباطاً وثيقاً بالديانة اليهودية والمجتمع اليهودي. فوضع تقويم الخمسينيات هدف إلى تحديد الأعياد الدينية وإحياء صورة لليهود مميزة عن الشعوب الأخرى. وقسم الزمن كله بصورة تسعى إلى إبراز التاريخ اليهودي حصراً.
وتركز وصايا الشيوخ الإثني عشر في عظاتهم على الأخلاق وعلى فكرة الروحين، وتعد الأساس في مخطوطات الأسينين، إذ يرون أن هناك روحان يهتمان بالإنسان، روح الحقيقة وروح الضلال. كما تشدد هذه الوصايا على محبة القريب، أي الذي ينتمي للجماعة. ويؤرخ العلماء هذه الوصايا إلى النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد. وأما مزامير سليمان فيبلغ عددها ثمانية عشر مزموراً، وهي مؤلفة بالعبرية، لكنها لم تعد موجودة سوى باليونانية وفي نسخة سريانية. وقد اعتمدت لفترة طويلة في كنائس مسيحية كثيرة. ويظهر أن مؤلف هذه المزامير قد حاول في وضعها أن يوافق اسلوب القصائد الغنائية للمزامير التوراتية. وكاتب هذه المزامير يوجه انتقادات عنيفة لأبناء الطائفتين اليهوديتين الفريسية والصدوقية. ومن هنا نرى أن هذا العمل الأدبي الذي كتبه الأسينيون في الفترة التي سبقت القضاء النهائي على اليهود في فلسطين، المحاولات الأخيرة والتي تعبر عن الشعور بقرب وقوع الكارثة النهائية. فالصراع الذي كان قائماً بين أبناء الملل اليهودية لم يكن في جوهره نزاعاً فكرياً وعقائدياً فقط، وإنما صراعاً حول من المسؤول عن حالة التردي التي وصل اليها الشعب اليهودي، والذي سارع في نهايتهم. وبعد دخول القوات الرومانية في عام 63 قبل الميلاد القدس، وقضاءهم النهائي على اليهود، شعر الأسينيون بشكل خاص أن الله قد عاقب بهذا اليهود، بسبب الكفر الذي انتشر بينهم.
وأهم ما ذكر في هذه المزامير هو مجيء المسيح الذي سيأتي ملكاً محققاً بذلك نبوءة إشعيا ومماثلاً لأمير الجماعة بحسب كتاب التبريكات. ويتصف هذا الشخص بأنه عادل ولطيف. ويظهر أن الأوضاع السياسية والصراعات التي حلت في المنطقة هي التي فرضت هذه الرؤية والإنتظار لمسيح مخلص دنيوي، قادر على إعادة لم شمل اليهود، وحكمهم بالعدل.
ومن سفر أخنوخ الأول نقتبس ترجمة موسى ديب الخوري لموضوع " أخنوخ يشهد غبطة الأبرار ومصطفى الحق:
" وفي ذلك الوقت،(قال)، رفعتني زوبعة من على وجه الأرض
ووضعتني على طرف السموات.
وهناك رأيت رؤيا ثانية:
مساكن القديسين، وأماكن راحة الأبرار
وهناك رأيت بعيني أنهم كانوا يسكنون مع ملائكة عدالته، ويرتاحون برفقة القديسين.
كانوا يصلون، ويبتهلون، ويتوسلون من أجل البشر.
كان الحق يجري أمامهم مثل المياه،
والنعمة، مثل الندى على الأرض،
(كانت تغزر) بينهم إلى الأبد.
وفي هذا الموضع رأت عيناي مصطفى الحق والإخلاص.
العدالة ستسود في زمنه،
والأبرار والمختارون كلهم كانوا أمامه بمثل جمال نور النار.
كان فمهم مليئاً بالتبريك،
وكانت شفاههم تمجد إسم رب الأرواح.
بحضوره لن تهلك العدالة أبداً،
ولن يفنى الحق بوجوده.
فهناك أردت البقاء،
وهذه السكنى هي التي رغبت بها روحي،
فههنا يوجد نصيبي الأصلي،
لأنه ذاك ما كان اوقف من أجلي،
بحضور رب الأرواح".
وفي الختام، تظهر لنا المعلومات المنشورة في الجزء الثاني (التوراة المنحول) من مخطوطات البحر الميت الأحوال السياسية والدينية التي سادت بلاد فلسطين خاصة خلال نهاية الألف الأول قبل الميلاد ومطلع الميلادية. وتتبدى الأمور وبكل وضوح لكل من يقرأ هذا الجزء أن الديانات السماوية الثلاث تكمل بعضها بعضاً، وأن الإسلام هو آخر الديانات السماوية وأن المصطفى هو المرتجى.
* أستاذ شرف جامعة اليرموك

